جيرونيمو وصحوات الأباتشي.. تاريخ متجدد

الصحوات تجربة أمريكية قديمة خاضتها في حروبها الداخلية، نجحت فكرتها في حروبها الخارجية، إلا أنها لاقت المصير نفسه.
جيرونيمو محارب أمريكي من السكان الأصليين، ينتمي إلى قبيلة شيريكاوا أصغر قبائل الأباتشي القوية، ولد سنة 1829 قاوم جيش الولايات المتحدة عندما استولوا على أراضي قبيلته، وبعد أن أوقع بهم الخسائر الكبيرة أرسلت الحكومة الأمريكية الجنرال كروك لقمع قبائل الأباتشي، وقررت الحكومة إدخالهم في محميات وعزلهم وتجريدهم من السلاح ومن يرفض يقمع ويطارد، أرغم الكثير على هذا الحل بعدما اعتبروا أنفسهم غير قادرين على مواجهة الجيش.
لعب كروك بالأباتشي وحرض بعضهم ضد بعض عندما عرض على من ينخرط في الكشافة «الصحوات» لمطاردة من يقاوم مبالغ كبيرة وحصانة.
كان جيرونيمو ممن رفض الإذعان وخاض حرباً دامت عشر سنوات مع الجيش الأمريكي، فاوضهم مرات وتم أسره وسلم نفسه بفضل الكشافة مرات، كما أنه فر وأطلق سراحه مرات، وفي النهاية لم يتمكنوا منه إلا من خلال فرد من الكشافة وصل إليه وأقنعه بتسليم نفسه، فوضع في قطار هو ومن معه وباقي الأباتشي الذين أدخلوا المحميات بالإضافة إلى الكشافة الذين خدموا الجيش الأمريكي، وأرسلوا جميعاً إلى السجن في حصن في فلوريدا، وبعد 10 سنوات سمح له بالتنقل خارج السجن وحده، بعدما أصبح بطلاً في أعين الأمريكيين، حتى أن الرئيس ثيودور روزفلت طلب منه سنة 1905 أن يقود موكب تنصيبه رئيساً لأمريكا، مات بعدما سقط من على ظهر حصانه وهو عائد إلى مسقط رأسه في إريزونا سنة 1909 بعدما بلغ الثمانين من العمر.
أمريكا تعرف كيف تستفيد من تجاربها الناجحة فقد كررت هذه التجربة في العراق سنة 2007، وشكلت الصحوات لغرض مطاردة تنظيم القاعدة منتفعة من رفض الأهالي للتنظيم وسعيهم لدفعهم عن مدنهم، فعرضت على بعض أبناء القبائل مبالغ ضخمة وحصانة ووافقت على حملهم السلاح، وبعدما تخلصت من القاعدة استمر عمل الصحوات ليضروا حتى بمن لم يحمل السلاح من الذين يرفضون الاحتلال، والمناطق التي عرفت برفضها للاحتلال تحولت إلى محميات لها أبواب للدخول والخروج إلى يومنا هذا، وبعد أشهر بدأ الجيش الأمريكي والحكومة العراقية بإلقاء القبض على أفراد الصحوات بتهم الإرهاب وأعدم وسجن وفر عدد كبير منهم.
من عمل في الجيش الأمريكي يدرك أثر الوصفة السحرية فهذا العقيد مارك كيميت نائب قائد العمليات الأمريكية في العراق سابقاً، يقول: «الحكومة العراقية لا يمكنها الانتصار على عشائر الأنبار إلا بمساعدة الصحوات من الداخل».
فهل يدرك من ينخرط في الصحوات ما سيؤول إليه مصيره؟ وهل يعتبر من تاريخ من ركب القطار إلى السجون ومات فيها؟ لا سيما وأن الصحوات بنسختها الثانية لا تمتلك مبرر النسخة الأولى فليس أمامها إلا أبناء العم والأهل لمواجهتهم.

بقلم: د. فراس الزوبعي