تدري هذا إذا يرجع لبلده شنو يصير؟

عندما كنت في المرحلة الثانية من دراستي الجامعية، كان أستاذ مادة الفلسفة في تمام الستين من عمره، وكان بغداديا كرخيا نحيفا لا تقع “الجگارة” من يده، لكنه كان شعلة من النشاط سريع الحركة، محاضرته ممتعة مع أن المادة كانت جافة جدا، كان حلو الحديث تجد لديه كل “سوالف أهل الكرخ” ومزاحهم، شجاع لا يبالي لأي أحد مهما كان منصبه، ينتقد المسؤولين بالحق أمام الطلبة ولا يبالي إن نقل انتقاده “أصحاب القصاصات” كانت محاضرته تعجبني لا لذات المحاضرة لكن لطريقة طرحه واستخدامه المفردات البغدادية التي تكاد تندثر في وقتها وكثير منها اندثر الآن.

ذات مرة وخلال أحد الامتحانات حدثنا عن موقف مر به، وذلك عندما شعر بنية أحد الطلبة الغش، فقال: اسمعوا، قبل سنيتن أو ثلاث كنت أراقب الطلبة خلال الامتحانات النهائية فانتبهت لأحد الطلبة وكان من إحدى دول الاتحاد السوفيتي المنحل، وكان الطالب يرتدي العمامة والجلباب وجاء إلى العراق ليحصل على شهادة في العلوم الإسلامية من جامعة بغداد، وفي بداية الامتحان وجدته يغش وبيده ورقة صغيرة، فأخذتها منه وعزمت على إخراجه من القاعة – في وقتها القانون ينص على اعتبار الطالب راسبا في صفه في حال الغش – فبكى الطالب وتدخل أحد الأساتذة وقال لي يا أستاذ هذا الطالب راسب سنتين سابقا وهو في المرحلة الرابعة وهذا آخر امتحان له، وقد قضى ست سنوات في الجامعة والقانون ينص على أن السنة السادسة هي آخر فرصة للطالب بعدها يرقن قيده، وهذا رسب في السابق بسبب ضعف اللغة لأنه لم يعرف شيء عن اللغة العربية قبل أن يأتي إلى الجامعة وهو من بلدة نائية وأهله أنفقوا عليه كل ما يملكون هم وأهل البلدة الفقيرة حتى يتخرج، فأرجوك اعفو عنه ودعه يكمل الامتحان.

فقلت للطالب: أكمل إجابتك، لكن إذا فكرت وتحركت أي حركة فيها شبهة غش سأجعلك تندم، وتركته ومشيت باتجاه أول القاعة وما هي إلا لحظات حتى التفت إليه فوجدته قد أخرج ورقة أخرى للغش، فلم أتمالك نفسي وركضت باتجاهه ورفعته من مقعده وسحبته باتجاه شرفة القاعة وكنا في الطابق الثالث، وقلت له “اليوم اشمرك من السطح” فركض المراقب الثاني وأحد  الطلبة وسحبوه مني، وطردته خارج القاعة وكتبت محضر الغش، وبعد أن ارتفعت الأصوات علم عميد الكلية بوجود مشكلة – في وقتها كان عميد الكلية الأستاذ الدكتور عبد المنعم أحمد صالح أطال الله في عمره الذي أصبح وزيرا للأوقاف بعد ذلك – فجائني ليستعلم عن المشكلة، واستغرب من رد فعلي، فقلت له: لم أبالغ في رد فعلي، هذا ليس كسائر الطلبة العراقيين أو العرب، هذا جاء من بلاد بعيدة لا علماء دين فيها وبلدته تنتظره ليعود بشهادة من جامعة بغداد، من مدينة كانت حاضرة الدنيا وعاصمة الخلافة الإسلامية، إذا سمحت لغشاش مثله أن يعود بشهادة من جامعتنا، سيرجع وسيجعلون منه أمام الأمة في بلدته ولن يعرفوا حقيقته، والله لأعيدنه خالي الوفاض إلى قومه.

هكذا كان علماؤنا، عن الأستاذ الدكتور سلمان نصيف جاسم التكريتي حدثتكم، أستاذ الفلسفة في كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد المولود في الكرخ عام 1934 والحاصل على شهادة الماجستير سنة 1975 من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بغداد، فقد سمعت اليوم خبر وفاته في 21 حزيران الماضي عن عمر ناهز 86 سنة، وهو ما دفعني للكتابة بعد انقطاع فرحم الله أستاذنا الدكتور سلمان وجزاه عما قدم خير الجزاء.

 

د. فراس محمد